تطور الدراسات اللغوية

أيار 1st, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , أدب, تراث, لغة عربية

الدرس النحوي بشطريه الإعراب والصرف ظاهرة علمية و عملية، تتفاعل وما حولها من ميادين الثقافة والمعرفة، وتتبادل وإياه ثمرات الجهود ونتائج البحث والخبرة والأداء. ذلك لأنها عنصر جوهري في تزويد الفكر وتوجيهه، وآلة نظرية وعملية لسائر العلوم، وسبيل قويم لتسديد اللسان والبيان وتوطيد العلاقات الإنسانية، في التواصل ونقل الفكر والشعور والعواطف والخبرة والتجارب، كما يراها الدكتور فخر الدين قباوة (إشكاليات في البحث والنقد النحويين/ دار الملتقى)، وقد نشأ هذا الدرس في حياة العرب إيحاءً وتلقياً، قبل أن يكون تلقيناً وتدريباً، وكان في المرحلتين يتبادل بينه وبين ما في واقعه ألوان التأثر والتأثير.
ما في النفس الإنسانية من نزوع إلى التقليد وتطلع إلى التواصل والتكامل، هو السر في انفتاح العلوم والفنون والحضارات، وامتصاص المنجزات وتسربها بسبل وقنوات ظاهرة وخفية، على أن ذلك أظهر ما يكون بين القوي والضعيف، أو بين المسيطر القاهر والتابع المقهور، ولهذا ترى الفقير يمتص تقاليد الأغنياء، والأمة العاجزة تتهافت على فتات موائد الأمم المستبدة، وتعتز بما تكتسبه من النفايات وسقط المتاع. على ذلك كانت مسيرة الحياة الحضارية والعلمية والفنية والاجتماعية، تعاون وتبادل وتأثر وتأثير، واقتباس للمنجزات والحصائل، توظف في الميادين المختلفة، ليكون للوجود استمرار حي، ويأخذ سبيله إلى أقصى مداه.
فلا عجب أن نرى الدرس النحوي يعيش في هذا الحال، من التوجه بمناحي العلوم والفنون التي حوله، فيقتبس منها ما يزوده بنسغ التجدد والنمو والعطاء. لقد نشأ في الحضارة الإسلامية بكراً للعلوم العربية، وأخذ يشقّ طريقه في العقد الثالث من القرن الهجري الأول، قبل أن ترى سائر شقائقه نور الحياة. لكنه ـ حسب قباوة ـ كان على ترقب وبصيرة، يتلمس بوادر تلك العلوم، ويتزود منها بما يسدد خطاه ويغني حصيلته، في المادة والأسلوب والتنفيذ. ولذا تراه يعتمد حصائل ما انتهى إليه علماء اللغة والرواية للنثر والشعر، ويستمد ما أمكنه من علوم القرآن والقراءات، ثم يميل إلى معطيات علم البلاغة ويقتبس منها الكثير في مسيرته وتاريخه، بل لقد رأيناه يتطلع إلى كل جديدٍ طاغٍ في الحياة، محاولاً الاستفادة من منجزاته وتجاربه، كالفقه وأصوله والتفسير وأصول الدين، حتى إذا بسط المنطق ظلاله في القرن الرابع كان للنحاة اعتماد لأساليبه في البحث والدرس والإعلام.
عاشت الدراسات اللغوية في بلاد الغرب حبيس الاتجاهين التاريخي والمقارن، منذ أيام النهضة، فكان الدارس إذا وقف على ظاهرة من اللغات الأوربية يضعها إزاء ما يعرف عن السنسكريتية، للبحث والمقارنة، حتى أصبحت هذه اللغة الشرقية أساساً لا محيد عنه في ميدان البحث، أما واقع اللغة كما هو فقلما نال من الدارسين اهتماماً أو بحثاً خاصاً، يكشف ظواهره ويتتبع سلوكه في مناحي الإنجاز. واستمر ذلك إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث أطلّت النزعات القومية، فكان أن استجاب لها نفرٌ من المجددين، يرفدون القوميات بدراسات وتوجيهات دائبة، ولذا ظهرت بوادر علم الاجتماع على أيدي رجا

المزيد


المجادلة والمحاجّة في القرآن الكريم

نيسان 30th, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , أدب, اسلاميات, تراث, لغة عربية

      للقرآن الكريم طريقته الخاصة في إقامة الحجة والبرهان، وله أسلوبه الخاص في طريقة الاستدلال، ومسلكه الخاص في أصول الجدل، وآداب المحاجة، ومراعاة شعور الخصم، أدب يتفق مع مكانة القرآن الكريم الرفيعة، ومراعاة تتناسب مع خاتم الرسل محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا الدستور، ولما علم الله من خطر الجدل إذا لم يقصد به الوصول إلى الحق، فقد بين الأصل العام، الذي يجب أن يكون عليه الجدل من أصول وآداب لمحاجة الخصوم، والأساس الذي يجب أن يبني عليه الرسول أو الداعية، جدله أو مناظرته، من حسن الأسلوب، وعف القول، والإغضاء عن الهفوات، والصفح عن الزلات، في مثل قوله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  } سورة النحل، الآية 125.

      فقد رسم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أصولاً للجدل، وآداباً للمحاجة، يجب أن يتبعها في دعوته التي كلّف بها، إذ أمره أن يقيم دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة الآخذة بالقلوب لحسنها، يجادل الخصوم، لكن بالطريقة المثلى، التي تضم الخصم إلى ساحته وتقربه للمبادئ التي يدعو إليها، ثم حبب الله الصفح وجعله بمكانة الصبر، حيث قال: { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } سورة النحل، الآية 126، وعلى هذا الأساس رسم تعالى آداباً لمحاجة الخصم، وأصولاً للجدل لترسيخ الدعوة ومبادئها وطرقها بالتي هي أحسن، والدعوة بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين، وتقصي ظروفهم، وذلك بالقدر الذي بيّنه لهم في كل مرة، فلا يثقل عليهم، ولا يحملهم أكثر مما يطيقونه، ويراعي فيهم استعداد نفوسهم للتقبل والرفض والطريقة المثلى التي يخاطبهم بها، مع تنوع الطريقة حسب متطلباتها، بالإضافة إلى الموعظة الحسنة التي تتسرب إلى القلوب برفق، "إذ الرفق في الموعظة، كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويأتي بخير من التوبيخ والزجر والتأنيب، وا

المزيد


مكانة الشعر في تفسير القرآن الكريم

نيسان 27th, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , اسلاميات, لغة عربية

يعد الشعر أحد المصادر التي أمدت العربية بأفصح التراكيب وأبلغها، وأحسن الأساليب وأجزل المعاني، وأثره الواضح في ترسيخ أصول العربية وقواعدها وضبط أقيستها، فلقد هيَّأ لها مادة واسعة في سبيل تأصيل مفردات اللغة، وبيان نسيج تركيبها وأوجه استعمالاتها. وقد عني به علماء العربية خدمة للقرآن الكريم،  فقد أُنزل القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍّ مبين، ودارت حول هذا الكتاب المجيد العلوم الاِسلامية من تفسير ولغة ونحو وصرف وبيان وبلاغة.. واعتمدت هذه العلوم في تأسيسها وإنشائها على كلام العرب من نثر وشعر، ومن استقرائه وُجد علم النحو وعلم الصرف وعلم اللغة، وكان الشعر العربيّ المحتجّ به من أخطر أُسس هذه العلوم شأناً وأكثرها دوراناً على الاَلسنة وفي بطون الكتب، وكان له قبل الإسلام منزلة سامية لدى القبائل العربية، كما كان للشعراء مرتبة رفيعة.  فجعله من تصدى لتفسير القرآن الكريم عونًا له على فَهْم مُعْضِلات القرآن، والوصول إلى معانيه، ومن هنا صار الشعر وسلية ذات شأن، أصبحت تساهم مساهمة فاعلة في تفسير القرآن، وخدمة جوانبه المتعددة .

ولعل العناية بلغة الشعر والاستشهاد بها على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، ليست مسألة طارئة على الحياة العلمية في عصر التابعين، وإنما كانت هذه العناية مألوفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد أورد الزمخشري  رواية عن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، حيث سأل وهو على المنبر عن قوله تعالى } أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ { [النحل: 47] ، فقام إليه شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا ، التخوُّف التنقُّص. فسأله عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال: نعم، قال الشاعر :

تَخَوَّف الرَّحْلُ منا تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّفَ عودَ النَّبْعَة السَّفِنُ

فقال عمر : أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضلُّ . فقالوا : وما ديواننا ؟

قال : شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم (1)

وقام حَبْرُ الأمة ابن عباس رضي الله عنه في ميدان الاستشهاد بالشعر على غريب القرآن بجهد متميز، وكان له مجالس واسعة تعقد لهذا الغرض، ويَفِدُ إليه الناس من كل حدب وصوب ، وكان يقول: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه"(2).

وقال عمرو بن دينار : " ما رأيت مجلسًا قط أَجْمَعَ لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر " (3).

 وتحتفظ مصنفات علوم القرآن بحوار علمي مطولٍ جرى بين أحد زعماء الخوارج وهو "نافع بن الأزرق"، وابن عباس رضي الله عنه، فقد قال نافع لصاحبه نجدة بن عويمر: "قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن، والفتيا بما لا عِلْمَ له به"  فقاما إليه فقالا: "نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله عز وجل فتفسِّره لنا، وتأتينا بمصداقه من كلام العرب، فإن الله عز وجل إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين".

 قال ابن عباس رضي الله عنه:" سَلاني عمَّا بدا لكما تجدا علمه عندي حاضرًا إن شاء الله" .

 فقال نافع : يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله عز وجل: } عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ { [المعارج: 37].

 قال: "عزين: حلق الرفاق".

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

 قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:

        فجاءوا يُهْرَعون إليه حتى … يكونوا حول مِنْبره عزينا

قال نافع : يا ابن عباس أخبرني عن قول الله عز وجل } وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ {  [المائدة: 35].

 قال : الوسيلة : الحاجة.

 قال : أوتعرف العرب ذلك ؟

 قال : نعم أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول :

    إنَّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ … إن يأخذوك تكحَّلي وتَخَضَّبي

ويمضي نافع يسأل، وابن عباس يُفَسِّر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر في مئتين وخمسين موضعًا من القرآن(4).

وبذلك يمكننا أن نَعُدَّ تفسير ابن عباس للقرآن على هذا النحو نواةً للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم. وبذلك تكون دراسة القرآن الكريم والرغبة في تفسير غريبه وفهم مقاصده سببًا رئيسًا من أسباب العناية بالشعر العربي.

 ومع مرور الأيام تزايدت الحاجة إلى هذا الاتجاه، وتابع هذا المنحى علماء العربية والتفسير، ولا غرابة أن تحفل كتب إعراب القرآن وتفسيره بمادة غزيرة من الشعر العربي الفصيح، فقد تجاوزت الشواهد الشعرية في كل من تفسير "البحر المحيط" و"جامع القرطبي" و"الدر المصون" مثلًا أكثر من خمسة آلاف بيت.

ففي قوله تعالى:} كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ{ [البقرة:19]، يستشهد أبو

المزيد