حكمة تحريم الإسلام للربــا

أيار 2nd, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , اسلاميات, تراث, دين, منوعات

قال تَعَالَى:
 ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  [1].
و عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)[2] :( آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ
تعريفه : الربا في اللغة : الزيادة، والمقصود به هنا : الزيادة على رأس المال .
حكمه :و هو محرم في جمع الأديان السماوية، ومحظور في اليهودية والمسيحية والإسلام جاء في العهد القديم : ( إذا أقرضت مالاً لأحد من أبناء شعبي، فلا تقف منه موقف الدائن . لا تطلب منه ربحاً لمالك ) [3].
و في كتاب العهد الجديد : ( إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة، فأي فضل يعرف لكم ؟ ولكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائدتها . وإذن يكون ثوابكم جزيلاً )  [4]واتفقت كلمة رجال الكنيسة على تحريم الربا تحريماً قاطعاً .
 مضار الربا على الاقتصاد والمجتمع والفرد
الآثار النفسية والخلقية
أنزل الله دينه ليقيم العباد على منهج العبودية الحقة، التي تعرج بهم إلى مدارج الكمال، وتسمو بهم إلى المراتب العليا، وبذلك يتخلصون من العبودية، ليقصروا أنفسهم على عبادة رب الخلائق، ويتخلصون بذلك من الفساد الذي يخالط النفوس في تطلعاتها ومنطلقاتها .
إن الإسلام يريد أن يطهر العباد في نفوسهم الخافية المستورة، وفي أعمالهم المنظورة، وتشريعات الإسلام تعمل في هذين المجالين والقرآن الكريم سماهما بالتزكية والتطهير قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)  [5]
 وقد أقسم الرب تبارك وتعالى في سورة الشمس أقساماً سبعة على أن المفلح من زكا نفسه، والخائب من دساها، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)  [6]
 والربا واحد من الأعمال التي تعمق في الإنسان الانحراف عن المنهج السوي، ذلك أن المرابي يستعبده المال، ويعمي ناظريه بريقه، فهو يسعى للحصول عليه بكل السبل، وفي سبيل تحقيق المرابي لهدفه يدوس على القيم، ويتجاوز الحدود، ويعتدي على الحرمات، إن الربا ينبت في النفس الإنسانية الجشع، كما ينبت الحرص والبخل، وهما مرضان ما أصابا نفساً إلا أفسدا صاحبها، ومع الجشع والبخل تجد الجبن والكسل، فالمرابي جبان يكره الإقدام، ولذلك يقول المرابون والذين ينظرون لهم : إن الانتظار هو صنعة المرابي، فهو يعطي ماله لمن يستثمره، ثم يجلس ينتظر إنتاجه لينال حظاً معلوماً بدل انتظاره، وهو كسول متبلد لا يقوم بعمل منتج نافع، بل تراه يريد من الآخرين أن يعملوا، ثم هو يحصل على ثمرة جهودهم، ولعل الآية القرآنية تشير إلى هذا المعنى قال تعالى : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)  ( [7]فالآية تشير إلى أن المرابي يعطي ماله للآخرين كي ينمو من خلالها .
لقد وصف القرآن الكريم آكل الربا بقوله :
 (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)  [8].
 كما أكد سبحانه أن الله سبحانه يذهب بركة الربا ويصيبه بالهلاك والدمار في قوله تعالى : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)  [9].
 الربا يحدث آثاراً خبيثة في نفس متعاطيه وتصرفاته وأعماله وهيئته، ويرى بعض الأطباء أن الاضطراب الاقتصادي الذي يولد الجشع، يسبب كثيراً من الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية أو الجلطة الدموية، أو النزيف في المخ، أو الموت المفاجئ.
و لقد قرر عميد الطب الباطني في مصر الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه ( الإسلام والطب الحديث ) أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب  [10]
.
 تخبط المرابي :
وقد وصف القرآن الحال الذي يكون عليها المرابي بحال الذي أصابه الشيطان بمس قال تعالى :
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:275).
 والتخبط في اللغة ـ كما يقول النووي ـ رحمه الله تعالى ـ الضرب على غير استواء، يقال : خبط البعير إذا ضرب بأخفافه، ويقال للرجل الذي يتصرف تصرفاً رديئاً ولا يهتدي فيه هو يخبط خبط عشواء، وهي الناقة الضعيفة البصر  ( [11]) .
و لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد بمس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو التخبط الحاصل بفعل الشيطان "  [12].
و لكني أرى أن هذا التخبط الذي يصيب آكل الربا ليس مقصوراً على هذا الجانب الذي ذكره الرازي، بل هو أوسع مما أشار إليه، وهو ملازمة لحالته النفسية واضطرابه في تصرفاته وأعماله .
 انعكاسات الربا على المجتمعات الإنسانية :
لا يمكن أن تقوم المجتمعات الإنسانية ما لم يترابط الناس فيما بينهم بروابط الود والمحبة القائمة على التعاون والتراحم والتكافل، ومنبع الود والمحبة والتكافل والتعاون والتراحم والأخوة بين أبناء الأمة الواحدة .
و الأفراد في المجتمعات، أو القطاع من الأمة الذين لا تؤرقهم آلام إخوانهم وأوجاعهم ومصائبهم كالعضو المشلول، الذي انعدم فيه الإحساس، وانقطعت روابطه بباقي الجسد، ومثله كمثل الحمار الذي يدور حول الرحى، ذلك أن اهتماماته وتطلعاته وغاياته تدور حول أمر واحد هو مصالحه الذاتية، فلا تراه لدموع الثكالى، ولا لأنات الحزانى، ولا لأوجاع اليتامى، يرى البؤساء والفقراء فلا يعرف من حالهم إلا أنهم صيد يجب أن تمتص البقية الباقية من دمائهم .
ألم يصل الحال بالمرابين قسات القلوب إلى أن يستعبدوا في بعض أدوار التاريخ أولئك المعسرين الذين لم يستطيعوا أن يفوا بديونهم وما ترتب عليها من ربا خبيث .
ألم يخرج أبو لهب العاص بن هشام إلى بدر، لأن العاص مدين لأبي لهب، ففرض عليه الخروج إلى المعركة بدلاً عنه .
كيف ينعم مجتمع إذا انبث في جنباته أكلة الربا الذين يقيمون المصائد والحبائل لاستلاب المال بطريق الربا وغيره من الطرق !! وكيف يتآلف مجتمع يسود فيه النظام الربوي الذي يسحق القوي فيه الضعيف ..
كيف نتوقع أن يحب الذي نهبت أموالهم، وسلبت خيراتهم ـ ناهبيهم وسالبيهم !! إن الذي يسود في مثل هذه المجتمعات هو الكراهية والحقد والبغضاء، فترى القلوب قد امتلأت بالضغينة ،و الألسنة ارتفعت بالدعاء على هؤلاء الأشقياء الذين سلبوهم أموالهم، وكثيراً ما يتعدى الأمر ذلك عندما يقومون بثورات تعصف بالمرابين وأموالهم وديارهم، وتجرف في طريقها الأخضر واليابس .
يقول المراغي رحمه الله تعالى : " الربا يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات، إذ هو ينزع عاطفة التراحم من القلوب، ويضيع المروءة، ويذهب المعروف بين الناس، ويحل القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه ليسد رمقه، ومن جراء هذا منيت البلاد ذات الحضارة التي تعاملت بالربا بمشاكل اجتماعية، فكثيراً ما تألب العمال وغيرهم على أصحاب الأموال، واضربوا عن العمل بين الفينة والفنية، والمرة بعد المرة . ومنذ فشا الربا في الديار المصرية ضعفت فيها عاطفة التعاون والتراحم، وأصبح المرء لا يثق بأقرب الناس إليه، ولا يقرض إلا بمستند وشهود، بعد أن كان المقرض يستوثق من المقترض ـ ولو أجنبياً ـ بألا يحدث أحداً بأنه اقترض منه، وما كان المقرض في حاجة في وصول حقه إليه إلى مطالبة، بلا محاكم ومقاضاة "   [13].
 
و لقد بلغت خسة الطبع وفساد الخلق بالمرابين اليهود إلى أن يتآمروا على المجتمعات التي فتحت أبوابها لهم، بل على العالم بأسره، ويوقدون نيران الحروب، ويسعون في الفساد، وقد نبأنا القرآن خبرهم، وكشف لنا جرمهم عندما قال :
 (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)  [14]
و قد نبه كثير من الكتاب المحققين إلى أن أباطرة المال اليهود هم الذين كانوا وراء إشعال نيران الحروب في القرن الماضي، كما أنهم هم الذين أوقدوا نيران الحربين العظميين في القرن . لقد سالت الدماء أنهاراً، أهدرت ملايين من الدنانير، كل ذلك ليربو المال اليهود، وتعظم سيطرة اليهود في العالم .
 
الخلل الذي يصيب المجتمع بسبب اختلال توزيع الثروة فيه :
إذا أصبح المال دولة بين الأغنياء، شقي أغنياؤ ذلك المجتمع وفقراؤه، والربا يركز المال في أيدي فئة قليلة من أفراد المجتمع الواحد ،و يحرم منه المجموع الكثير، وهذا خلل في توزيع المال، يقول الدكتور ( شاخت ) الألماني، مدير بنك الرايخ الألماني سابقاً في محاضرة ألقاها في سوريا في عام 1953 : " إنه بعملية رياضية ( غير متناهية ) يتضح أن جميع المال صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين، ذلك أن الدائن المرابي يربح دائمـاً في كل عمليـة، بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهايـة لا بد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائماً ( [15])
.
و هو الذي يجعل اليهود يصرون على التعامل بالربا، ونشره بين العباد، كما يحرصو

المزيد


تطور الدراسات اللغوية

أيار 1st, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , أدب, تراث, لغة عربية

الدرس النحوي بشطريه الإعراب والصرف ظاهرة علمية و عملية، تتفاعل وما حولها من ميادين الثقافة والمعرفة، وتتبادل وإياه ثمرات الجهود ونتائج البحث والخبرة والأداء. ذلك لأنها عنصر جوهري في تزويد الفكر وتوجيهه، وآلة نظرية وعملية لسائر العلوم، وسبيل قويم لتسديد اللسان والبيان وتوطيد العلاقات الإنسانية، في التواصل ونقل الفكر والشعور والعواطف والخبرة والتجارب، كما يراها الدكتور فخر الدين قباوة (إشكاليات في البحث والنقد النحويين/ دار الملتقى)، وقد نشأ هذا الدرس في حياة العرب إيحاءً وتلقياً، قبل أن يكون تلقيناً وتدريباً، وكان في المرحلتين يتبادل بينه وبين ما في واقعه ألوان التأثر والتأثير.
ما في النفس الإنسانية من نزوع إلى التقليد وتطلع إلى التواصل والتكامل، هو السر في انفتاح العلوم والفنون والحضارات، وامتصاص المنجزات وتسربها بسبل وقنوات ظاهرة وخفية، على أن ذلك أظهر ما يكون بين القوي والضعيف، أو بين المسيطر القاهر والتابع المقهور، ولهذا ترى الفقير يمتص تقاليد الأغنياء، والأمة العاجزة تتهافت على فتات موائد الأمم المستبدة، وتعتز بما تكتسبه من النفايات وسقط المتاع. على ذلك كانت مسيرة الحياة الحضارية والعلمية والفنية والاجتماعية، تعاون وتبادل وتأثر وتأثير، واقتباس للمنجزات والحصائل، توظف في الميادين المختلفة، ليكون للوجود استمرار حي، ويأخذ سبيله إلى أقصى مداه.
فلا عجب أن نرى الدرس النحوي يعيش في هذا الحال، من التوجه بمناحي العلوم والفنون التي حوله، فيقتبس منها ما يزوده بنسغ التجدد والنمو والعطاء. لقد نشأ في الحضارة الإسلامية بكراً للعلوم العربية، وأخذ يشقّ طريقه في العقد الثالث من القرن الهجري الأول، قبل أن ترى سائر شقائقه نور الحياة. لكنه ـ حسب قباوة ـ كان على ترقب وبصيرة، يتلمس بوادر تلك العلوم، ويتزود منها بما يسدد خطاه ويغني حصيلته، في المادة والأسلوب والتنفيذ. ولذا تراه يعتمد حصائل ما انتهى إليه علماء اللغة والرواية للنثر والشعر، ويستمد ما أمكنه من علوم القرآن والقراءات، ثم يميل إلى معطيات علم البلاغة ويقتبس منها الكثير في مسيرته وتاريخه، بل لقد رأيناه يتطلع إلى كل جديدٍ طاغٍ في الحياة، محاولاً الاستفادة من منجزاته وتجاربه، كالفقه وأصوله والتفسير وأصول الدين، حتى إذا بسط المنطق ظلاله في القرن الرابع كان للنحاة اعتماد لأساليبه في البحث والدرس والإعلام.
عاشت الدراسات اللغوية في بلاد الغرب حبيس الاتجاهين التاريخي والمقارن، منذ أيام النهضة، فكان الدارس إذا وقف على ظاهرة من اللغات الأوربية يضعها إزاء ما يعرف عن السنسكريتية، للبحث والمقارنة، حتى أصبحت هذه اللغة الشرقية أساساً لا محيد عنه في ميدان البحث، أما واقع اللغة كما هو فقلما نال من الدارسين اهتماماً أو بحثاً خاصاً، يكشف ظواهره ويتتبع سلوكه في مناحي الإنجاز. واستمر ذلك إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث أطلّت النزعات القومية، فكان أن استجاب لها نفرٌ من المجددين، يرفدون القوميات بدراسات وتوجيهات دائبة، ولذا ظهرت بوادر علم الاجتماع على أيدي رجا

المزيد


المجادلة والمحاجّة في القرآن الكريم

نيسان 30th, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , أدب, اسلاميات, تراث, لغة عربية

      للقرآن الكريم طريقته الخاصة في إقامة الحجة والبرهان، وله أسلوبه الخاص في طريقة الاستدلال، ومسلكه الخاص في أصول الجدل، وآداب المحاجة، ومراعاة شعور الخصم، أدب يتفق مع مكانة القرآن الكريم الرفيعة، ومراعاة تتناسب مع خاتم الرسل محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا الدستور، ولما علم الله من خطر الجدل إذا لم يقصد به الوصول إلى الحق، فقد بين الأصل العام، الذي يجب أن يكون عليه الجدل من أصول وآداب لمحاجة الخصوم، والأساس الذي يجب أن يبني عليه الرسول أو الداعية، جدله أو مناظرته، من حسن الأسلوب، وعف القول، والإغضاء عن الهفوات، والصفح عن الزلات، في مثل قوله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  } سورة النحل، الآية 125.

      فقد رسم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أصولاً للجدل، وآداباً للمحاجة، يجب أن يتبعها في دعوته التي كلّف بها، إذ أمره أن يقيم دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة الآخذة بالقلوب لحسنها، يجادل الخصوم، لكن بالطريقة المثلى، التي تضم الخصم إلى ساحته وتقربه للمبادئ التي يدعو إليها، ثم حبب الله الصفح وجعله بمكانة الصبر، حيث قال: { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } سورة النحل، الآية 126، وعلى هذا الأساس رسم تعالى آداباً لمحاجة الخصم، وأصولاً للجدل لترسيخ الدعوة ومبادئها وطرقها بالتي هي أحسن، والدعوة بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين، وتقصي ظروفهم، وذلك بالقدر الذي بيّنه لهم في كل مرة، فلا يثقل عليهم، ولا يحملهم أكثر مما يطيقونه، ويراعي فيهم استعداد نفوسهم للتقبل والرفض والطريقة المثلى التي يخاطبهم بها، مع تنوع الطريقة حسب متطلباتها، بالإضافة إلى الموعظة الحسنة التي تتسرب إلى القلوب برفق، "إذ الرفق في الموعظة، كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويأتي بخير من التوبيخ والزجر والتأنيب، وا

المزيد


علم التحقيق … الفيلولوجيا الاستشراقية والنقد المعاصر

نيسان 27th, 2007 كتبها أيمن حاج أسد نشر في , اسلاميات, تراث

تحقيق النصوص علم عربي اسلامي، وضع أصوله رجالات البحث والتأليف والرواية والتلقي والكتابة والتعليم، في ميادين الحديث النبوي والقرآن الكريم وما تفرع عنها من العلوم، وأجروا تنفيذاته في بضعة عشر قرناً، ونقلوها الى ميدان النص التراثي عامة في شكل عملي متقن، وأخرجوا منه ملايين النسخ الخطية، ومئات آلاف المصنفات والرسائل في سائر علوم الاسلام. وهذا يعني ان جميع الشعوب الاسلامية شاركت فيه أيضاً، ويجب عليها اعتماده فيما تنشر من تراثها العلمي والفني والأدبي، هذه خلاصة الأطروحة التي يقدمها عالم النحو الدكتور فخر الدين قباوة في كتاب «علم التحقيق للمخطوطات العربية بحث تأسيسي للتأصيل» (دار الملتقى، حلب، 2005)، الذي يذهب انطلاقاً من ذلك الى أن المستشرقين وأنصارهم من العرب تجاهلوا أحداث التاريخ، فزعموا أن نشوء هذا العلم كان عند بعض الدول الأوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي، وأن أول محقق عربي هو أحمد زكي باشا، وأول كتاب عربي في هذا الفن كان «تحقيق النصوص ونشرها» للأستاذ عبدالسلام هارون سنة 1954.

المتصفح في التاريخ يرى ما يرد عليهم هذا الزعم، ويرجع بتحديد الزمن لتلك العمليات التحقيقية الى السنوات الأولى من البعثة النبوية، حيث كانت اجراءات أساسية واعية لتحقيق النص الرباني المجيد، فقد ثبت أن «جبريل كان يعارض النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضه مرتين سنة وفاته»، في هذا الحديث أحداث واقعية لأول تحقيق نادر المثال في التاريخ الانساني. اذ يعرض النبي الأمين على جبريل نصوص القرآن الكريم أربعاً وعشرين مرة، في مدة الوحي الرباني، وبهذا تعليماً لمن بعده أسلوب التوثيق والتحقيق المثالي عملياً بالمقابلة والعراض مراراً، وليتحقق لديهم كمال نقله وتبليغه، فقد غرس في نفوس الصحابة الكرام السعي في متابعة الحقيقة من الأقوال، فصاروا اذا اختلفو

المزيد