قراءة في صعود الإسلام السياسي

كتبهاأيمن حاج أسد ، في 2 أيار 2007 الساعة: 17:15 م

أشاد الرئيس الأميركي جورج بوش بالانتخابات الفلسطينية، وأشار ضمناً إلى أنها درس في الديموقراطية للعالم العربي، وتحذير للحرس الفلسطيني القديم، كما أكدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في محاضرة لها بالجامعة الأميركية بالقاهرة أن واشنطن لن تقبل بعد الآن من الدول العربية حجة الخوف من صعود حركات سياسية إسلامية إلى السلطة لتبرير رفض الديموقراطية.
الواضح من خلال السيرة الرسمية الأميركية طيلة السنوات الماضية، أن قادة البيت الأبيض لا يشاطرون الزعماء العرب رأيهم بأن الإسلاميين كلهم مدرسة سياسية واحدة، وأنهم جميعاً معادون للديموقراطية ولعل قناعة قد تبلورت لدى كثير من قادة الرأي والخبرة في الولايات المتحدة، مفادها أن إسلاميين حداثيين وديموقراطيين هم الأقدر في عالم عربي وإسلامي متأزم، على مواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية، ومفادها كذلك أن دمج حركات الإسلام السياسي في مؤسسات الحكم والسلطة سيساعد على تحويلها من حركات سياسية هامشية متنطعة ومتشددة، إلى حركات سياسية واقعية وبرغماتية وعملية، قد تكون الأقدر على التحكم في شوارع تغلي غضباً، وعلى اتخاذ قرارات مصيرية وحاسمة في ما يخض حاضر ومستقبل شعوبها.
التوجه الأميركي هذا أزعج وأقلق جهات عدة، فراحت تدافع عن موقفها بعدم إشراك الإسلاميين فثمة كلام متزايد يدور في أروقة السياسة والسياسيين عما بات يعرف بخطر الإسلاميين والأفكار الدينية والمتدينين على الديموقراطية والعمل الديموقراطي والممارسة السياسية وكما يبدو في الظاهر فإن القلق يمس دوائر واسعة من النخب العلمانية سواء الحاكمة منها أو غير الحاكمة من هذا "الخطر" المزعوم.. هذا فيما اتسعت دوائر المتخوفين والقلقين على مستقبل الديموقراطية والعمل الديموقراطي لتشمل أوساطا وطنية عديدة في مختلف البلدان العربية ولا سيما في مصر تجاه ظاهرة صعود الإسلاميين، الإخوان المسلمين، في الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة. لا بل إن القلق ذهب بالوزير التونسي للشؤون الدينية مثلاً إلى اعتبار "الحجاب ظاهرة نشاز ومستوردة وليست من الدين وان التنوير كفيل باستئصالها من مجتمعاتنا…!!".
يتوصل فريد زكريا ـ رئيس تحرير الطبعة الدولية لمجلة نيوزيوك ـ إلى أن التحول إلى الديموقراطية لا يمكن أن يكتمل الا بعد أن تصبح البيئة الاجتماعية ليبرالية، فهناك فرق كبير بين الديموقراطية الليبرالية التي قامت اساسا على مبادئ ليبرالية دستورية مثل حكم القانون وفصل السلطات وحماية حرية التعبير وحرية التنظيم وحرية الاجتماع والحرية الدينية وحرية الملكية، وبين الديموقراطية غير ليبرالية التي تعطي الاسبقية للانتخابات قبل الأفكار والقيم الليبرالية، فهي حكم التسلطية والشعبوية، ففي غياب الليبرالية يصل إلى السلطة غير ديموقراطي باسم الديمموقراطية، وهذه أول اساءة للديموقراطية. وفي غياب الليبرالية أيضاً تصبح أمام طغيان الأغلبية غير الديموقراطية لأن أساس الديموقراطية هو أن السلطة للأغلبية، وهذه ثاني اساءة للديموقراطية. فهتلر وصل إلى السلطة من خلال الانتخابات الديموقراطية.. وكانت شعبيته تزداد يوماً بعد يوم، وانتهت الديموقراطية في ألمانيا إلى انتصار الفاشية النازية ويعود ذلك إلى أن الليبرالية لم تكن قد تجذرت في المجتمع الألماني، وبعد خسارة ألمانيا للحرب وتقسيمها واحتلالها وفرض نظام جديد من الخارج جرى اجتثاث الفاشية ونشر الليبرالية بديلاً عنها، حتى أصبحت ألمانيا ديموقراطية ليبرالية.. ولكن بعد أن دفع الألمان والأوروبيون ثمناً باهظا.
يرى هذا التيار انه على الرغم من أن الحكام العرب مستبدون وفاسدون فإنهم أكثر ليبرالية من البديل المحتمل لهم أي الإسلاميين والقوميين الذين يتكلمون لغة الخطاب بينما يمقتون ويحتقرون الليبرالية التي يعتبرونها أسلوباً غربياً في الحكم، وانه لو أجريت انتخابات حرة في العالم العربي اليوم لأعطت نظماً أكثر تزمتاً ورجعية ومعاداة للغرب من النظم الحالية، وعلى الغرب ان يفهم انه لا معنى للسعي للديموقراطية في الشرق الأوسط إلا إذا سبقه وقبل كل شيء السعي إلى الليبرالية الدستورية، وينبغي أن تسبق أي انتخابات قومية متعددة الأحزاب فترة انتقالية للإصلاح السياسي وتنمية المؤسسات، فالديموقراطية ليست مجرد انتخابات حرة.
على النقيض من ذلك يرى بعض المنظرين والمحللين أن إشراك الإسلاميين وإعطاءهم فرصة في ممارسة السياسة تضعهم في الطريق الصحيح وتلقي على كاهلهم مسؤوليات كبيرة من أهمها إثبات فاعلية الشعارات التي ينادون بها والابتعاد عن التنظير والتعامل بواقعية مع ثوابت وأسس الديموقراطية أي وجوب الحفاظ على آليات تداول السلطة عبر الانتخابات وغيرها. فدخولهم السلطة سيؤدي إلى تغيير في نمط الحركة الاسلامية لأنك عندما تكون في المعارضة بإمكانك التصرف كما تشاء ولكن الأمر يختلف كثيراً عندما تكون في صلب السلطة وانشغالاتها وتحدياتها الكثيرة. ان هذا التغير بدا واضحا في الخطابات والتصريحات الأخيرة لقادة الحركة الاسلامية العربية عموماً فالإخوان المسلمون الآن ليسوا هم الاخوان قبل عدة سنوات، فالخطاب الاسلامي الجديد السائد هو إبعاد العباءة الدينية عن الحكم، والحوار مع جميع الأطياف، وإعادة صياغة العلاقة مع سجل التيارات على أساس المشاركة والأخوة والمواطنة وليس الدين.
ينطلق نوح فيلدمان ـ أستاذ مساعد في مادة القانون في جامعة نيويورك ـ في كتابه "ما بعد الجهاد: أميركا والصراع من أجل الديموقراطية الاسلامية" من إقرار توافق الإسلام مع الديموقراطية بمعنى أن الإسلام والديموقراطية غير متناقضين، ويمضي الكتاب إلى أن الإسلاميين الديموقراطيين لا خطر منهم على الديموقراطية إطلاقاً بل إنهم في الحقيقة أفضل أمل لتحقيق الديموقراطية في الشرق الأوسط، وإن الأحزاب الاسلامية لو أتيح لها أن تتولى السلطة عبر انتخابات حرة، فإن ذلك سيقود إلى تحسين الأوضاع. ويدعو فيلدمان الولايات المتحدة إلى تبني خيار دعم وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر انتخابات حرة، فمن الخطأ اعتقاد أن الإسلاميين متعارضون حتماً مع المصالح الأميركية. ينبغي على الولايات المتحدة أن تدفع بخيار الإسلاميين المعتدلين وأن تسمح للأحزاب السياسية الإسلامية بأن تخوض انتخابات حرة، تستحق تجربة الديموقراطية الاسلامية أن تعطى فرصة واذا كان وصول الاسلاميين إلى الحكم عبر الانتخابات الحرة، لا يهدد السياسة الأميركية حسب رأي فيلدمان فإنه يرى أيضاً ان السلام بين العرب وإسرائيل لن يكون مهدداً من قبل الإسلاميين، بل سيكون سلاماً شعبياً، بل إن التطبيع مع إسرائيل وإقرار شرعية وجودها سيكونان أسهل منالاً. ويبني فيلدمان استنتاجه، على فرضية أن النظم التسلطية والديكتاتورية في المنطقة والتي تحظى بدعم الولايات المتحدة، هي السبب وراء معاداة الشعوب الإسلامية لكل من أميركا وإسرائيل. وفيلدمان بهذا يستبعد من الديموقراطية الإسلامية تنظيمات العنف الإسلامية والإسلاميين المتشددين مثل ملالي إيران وطالبان أفغانستان، والقاعدة وغيرها من التنظيمات التكفيرية، فهو يميز بين إسلاميين إرهابيين ومتشددين من جهة وإسلاميين معتدلين من جهة أخرى.
يرى برهان غليون ـ أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون ـ "إن قوة التيار الإسلامي بمختلف أطيافه نابعة من تحجر الأنظمة الفاسدة وتخلفها وقمعها ورفضها السير على طريق الإصلاحات: وإذا لم تحصل إصلاحات جدية فستسقط جميع الأنظمة المتحجرة في العالم العربي في أحضان الإسلاميين لأنهم يشكلون غالبية سياسية، في حين يعيش العالم العربي صراعا مضمرا وعلنيا بشأن هذا الأمر، وان المثال التركي الناجح والفاعل قد يكون الوجهة الأمثل للإسلاميين العرب وليس المثال الإيراني".

أيمن حاج أسد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اسلاميات, دين, سياسة, سياسية, كتب, مقالات سياسية | السمات:, , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر