المجادلة والمحاجّة في القرآن الكريم

كتبهاأيمن حاج أسد ، في 30 نيسان 2007 الساعة: 05:24 ص

      للقرآن الكريم طريقته الخاصة في إقامة الحجة والبرهان، وله أسلوبه الخاص في طريقة الاستدلال، ومسلكه الخاص في أصول الجدل، وآداب المحاجة، ومراعاة شعور الخصم، أدب يتفق مع مكانة القرآن الكريم الرفيعة، ومراعاة تتناسب مع خاتم الرسل محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا الدستور، ولما علم الله من خطر الجدل إذا لم يقصد به الوصول إلى الحق، فقد بين الأصل العام، الذي يجب أن يكون عليه الجدل من أصول وآداب لمحاجة الخصوم، والأساس الذي يجب أن يبني عليه الرسول أو الداعية، جدله أو مناظرته، من حسن الأسلوب، وعف القول، والإغضاء عن الهفوات، والصفح عن الزلات، في مثل قوله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  } سورة النحل، الآية 125.

      فقد رسم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أصولاً للجدل، وآداباً للمحاجة، يجب أن يتبعها في دعوته التي كلّف بها، إذ أمره أن يقيم دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة الآخذة بالقلوب لحسنها، يجادل الخصوم، لكن بالطريقة المثلى، التي تضم الخصم إلى ساحته وتقربه للمبادئ التي يدعو إليها، ثم حبب الله الصفح وجعله بمكانة الصبر، حيث قال: { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } سورة النحل، الآية 126، وعلى هذا الأساس رسم تعالى آداباً لمحاجة الخصم، وأصولاً للجدل لترسيخ الدعوة ومبادئها وطرقها بالتي هي أحسن، والدعوة بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين، وتقصي ظروفهم، وذلك بالقدر الذي بيّنه لهم في كل مرة، فلا يثقل عليهم، ولا يحملهم أكثر مما يطيقونه، ويراعي فيهم استعداد نفوسهم للتقبل والرفض والطريقة المثلى التي يخاطبهم بها، مع تنوع الطريقة حسب متطلباتها، بالإضافة إلى الموعظة الحسنة التي تتسرب إلى القلوب برفق، "إذ الرفق في الموعظة، كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويأتي بخير من التوبيخ والزجر والتأنيب، والجدل بالحسنى بلا تحامل ولا ترذيل، حتى يطمئن ويشعر الخصم أن ليس هدفه الغلبة في الجدال، ولكن بغيته الإقناع والوصول إلى الحق" تفسير الكشاف للزمخشري،1/435 دار المعرفة بيروت، ثم الجدل بالحسنى، يطمئن المجادل ويشعره أن ذاته مصونة وقيمته فوق كل الاعتبارات، وأن الرسول أو الداعية لا يقصد إلا الكشف عن الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها، وأن الدعوة في سبيل الله، لا في سبيل نصرة الرأي الآخر وهزيمة الخصم، والغرض من الجدال إنما هو البيان، والأمر بعد ذلك متروك بيد الله تعالى، فهو الذي يهدي إلى سبيل الحق، وهو أعلم بالمهتدين.

         لم تقف آداب الجدل في القرآن الكريم، عند الجدل بالتي هي أحسن فقط، إنما تجاوزت ذلك إلى أخلاقيات الجدل القرآني، وهو أن يكون الحق هو المستهدف، وليس الباطل. لهذا بيّن الله تعالى عقوبة الذين يجادلون في سبيل الباطل، في قوله { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } [ غافر: 5]، وذكر القرآن الكريم أولئك الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ولفت الناس إلى الغاية التي يجب أن تقصد من الجدل، وهو ظهور الحق الذي يعود نفعه على الناس جميعاً  { وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56]. نبه الله تعالى إلى خطر الجدل، إذا لم يقصد منه الحق. وحذر المؤمنين، ونهاهم عن مجادلة أهل الكتاب، إلا بالتي هي أحسن { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } سورة العنكبوت، آية 46.

         والجدل بأنواعه، ليس منهياً عنه، إنما المنهي عنه، هو الجدل الذي يقود صاحبه إلى اللجاج والمحك، لأن العصبية تغلب على مستعملها فتبعده عن الحق. قال النيسابوري في تفسيره: "الجدل ليس منهياً عنه بجميع أقسامه، وإنما المذموم منه، هو الذي منشأه العصبية، ومحض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة، وتحصيل الأغراض الفارغة، أما الذود عن الدين القيم والدعاء إلى الصراط المستقيم، وإلزام الخصم الألد، وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة، حيث قال ليستقر الحق في مركزه، ويضمحل الباطل، ويركد ريحه فمأمور به" تفسير النيسابوري، الموضوع بهامش تفسير ابن جرير الطبري،2/262 دار المعرفة، بيروت.ولقد استخدم القرآن الكريم بيانات خطابية، مباشرة وغير مباشرة، مع الفئات التي يرجى لها الهداية، وهم أغلب الناس، وكما هو معرف هناك اختلاف بين البشر في المجال الفكري والاجتماعي والعقلي والعقائدي، من أجل ذلك، كان الخطاب متنوعاً حسبما يفهمه ويدركه كل إنسان. كان الخطاب وعظياً  مباشراً، للذين ترجى هدايتهم، أو توجد لديهم نزعة أو قابلية للخير، وكان الخطاب عن طريق الأمر بالمعروف والنهي المباشرين، للذين يتوقع أن يستجيبوا لدعوة الإيمان.

         كان الخطاب عن طريق الترهيب والترغيب والإنذار، للذين في نفوسهم قابلية الخوف، وهم من النوع الذين لا يستجيبون إلا تحت تأثير أو ضغط ما، سواء كان وعداً بخير أو وعيداً بعذاب وعقاب. وجاء الخطاب في أحيانٍ أخرى عن طريق ضرب الأمثال للأقوام الأولين، الذين استجابوا للإيمان، ثم غيروا وبدلوا وانحرفوا أو كفروا وجحدوا، وهم الذين وسعهم الله بعطائه الوفير، عندما أحسنوا واستقاموا لقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سورة الأنفال، الآية 53.

        جاء الخطاب أيضاً ليعري الواقع النفسي والفكري لأشخاصٍ أو مجتمعٍ ما، حتى تنكشف الحقيقة، ويظهر الحق علناً أمام أعين من آمن وكفر، وهذا الكشف بدوره يساعد على إزالة الغشاوة عن العيون، والعقول والبصائر، لتنفتح حتى تلتزم الصواب وتتبع نهجه.

         كان الخطاب أحياناً، عن طريق المجادلة العقلية المنطقية، تستخدم فيها الحجة، حتى تقنع المجادلين والمعاندين والضالين، الذين يتخذون من الجدل ذريعة ومنفذاً لتضليل الناس.لقد تنوعت الأساليب المستخدمة في المجادلة والمحاجة، فشملت الأساليب الخبرية والطلبية الواردة على حقيقتها، والمستخدمة مجازاً، ويراد بها معنى آخر، كضروب الكناية والاستعارة لتتناسب مع القضية المطروحة، والبرهان المعروض، وموقف الإنسان منه، فهو عصب الموضوع الأصلي من حجاج القرآن الكريم ومناقشاته، فما جادل وحاور إلا من أجله. هذه من بعض أصول الجدل وآداب المحاجة في هذا الدستور السماوي، فجدير بكل من تصدى للجدال، أن يرتسم تلك الخطى التي نادى بها، وحثّ عليها في الذود عن الحق، والدعوة إلى الصراط المستقيم، ويتخذها منهجاً لا يحيد عنه.                        

             أيمن حاج أسد                   

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, اسلاميات, تراث, لغة عربية | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المجادلة والمحاجّة في القرآن الكريم”

  1. فهو الذي يهدي إلى سبيل الحق، وهو أعلم بالمهتدين.

    عبارة جميلة .. موفق

    وإلى الأمام دائما ..

    سلامي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر