مكانة الشعر في تفسير القرآن الكريم

كتبهاأيمن حاج أسد ، في 27 نيسان 2007 الساعة: 10:23 ص

يعد الشعر أحد المصادر التي أمدت العربية بأفصح التراكيب وأبلغها، وأحسن الأساليب وأجزل المعاني، وأثره الواضح في ترسيخ أصول العربية وقواعدها وضبط أقيستها، فلقد هيَّأ لها مادة واسعة في سبيل تأصيل مفردات اللغة، وبيان نسيج تركيبها وأوجه استعمالاتها. وقد عني به علماء العربية خدمة للقرآن الكريم،  فقد أُنزل القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍّ مبين، ودارت حول هذا الكتاب المجيد العلوم الاِسلامية من تفسير ولغة ونحو وصرف وبيان وبلاغة.. واعتمدت هذه العلوم في تأسيسها وإنشائها على كلام العرب من نثر وشعر، ومن استقرائه وُجد علم النحو وعلم الصرف وعلم اللغة، وكان الشعر العربيّ المحتجّ به من أخطر أُسس هذه العلوم شأناً وأكثرها دوراناً على الاَلسنة وفي بطون الكتب، وكان له قبل الإسلام منزلة سامية لدى القبائل العربية، كما كان للشعراء مرتبة رفيعة.  فجعله من تصدى لتفسير القرآن الكريم عونًا له على فَهْم مُعْضِلات القرآن، والوصول إلى معانيه، ومن هنا صار الشعر وسلية ذات شأن، أصبحت تساهم مساهمة فاعلة في تفسير القرآن، وخدمة جوانبه المتعددة .

ولعل العناية بلغة الشعر والاستشهاد بها على غريب القرآن ومفرداته وبيانه، ليست مسألة طارئة على الحياة العلمية في عصر التابعين، وإنما كانت هذه العناية مألوفة عند الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد أورد الزمخشري  رواية عن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، حيث سأل وهو على المنبر عن قوله تعالى } أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ { [النحل: 47] ، فقام إليه شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا ، التخوُّف التنقُّص. فسأله عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال: نعم، قال الشاعر :

تَخَوَّف الرَّحْلُ منا تامِكًا قَرِدًا … كما تخوَّفَ عودَ النَّبْعَة السَّفِنُ

فقال عمر : أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضلُّ . فقالوا : وما ديواننا ؟

قال : شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم (1)

وقام حَبْرُ الأمة ابن عباس رضي الله عنه في ميدان الاستشهاد بالشعر على غريب القرآن بجهد متميز، وكان له مجالس واسعة تعقد لهذا الغرض، ويَفِدُ إليه الناس من كل حدب وصوب ، وكان يقول: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه"(2).

وقال عمرو بن دينار : " ما رأيت مجلسًا قط أَجْمَعَ لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر " (3).

 وتحتفظ مصنفات علوم القرآن بحوار علمي مطولٍ جرى بين أحد زعماء الخوارج وهو "نافع بن الأزرق"، وابن عباس رضي الله عنه، فقد قال نافع لصاحبه نجدة بن عويمر: "قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن، والفتيا بما لا عِلْمَ له به"  فقاما إليه فقالا: "نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله عز وجل فتفسِّره لنا، وتأتينا بمصداقه من كلام العرب، فإن الله عز وجل إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين".

 قال ابن عباس رضي الله عنه:" سَلاني عمَّا بدا لكما تجدا علمه عندي حاضرًا إن شاء الله" .

 فقال نافع : يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله عز وجل: } عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ { [المعارج: 37].

 قال: "عزين: حلق الرفاق".

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

 قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول:

        فجاءوا يُهْرَعون إليه حتى … يكونوا حول مِنْبره عزينا

قال نافع : يا ابن عباس أخبرني عن قول الله عز وجل } وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ {  [المائدة: 35].

 قال : الوسيلة : الحاجة.

 قال : أوتعرف العرب ذلك ؟

 قال : نعم أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول :

    إنَّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ … إن يأخذوك تكحَّلي وتَخَضَّبي

ويمضي نافع يسأل، وابن عباس يُفَسِّر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر في مئتين وخمسين موضعًا من القرآن(4).

وبذلك يمكننا أن نَعُدَّ تفسير ابن عباس للقرآن على هذا النحو نواةً للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم. وبذلك تكون دراسة القرآن الكريم والرغبة في تفسير غريبه وفهم مقاصده سببًا رئيسًا من أسباب العناية بالشعر العربي.

 ومع مرور الأيام تزايدت الحاجة إلى هذا الاتجاه، وتابع هذا المنحى علماء العربية والتفسير، ولا غرابة أن تحفل كتب إعراب القرآن وتفسيره بمادة غزيرة من الشعر العربي الفصيح، فقد تجاوزت الشواهد الشعرية في كل من تفسير "البحر المحيط" و"جامع القرطبي" و"الدر المصون" مثلًا أكثر من خمسة آلاف بيت.

ففي قوله تعالى:} كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ{ [البقرة:19]، يستشهد أبو حيان في "البحر المحيط" بقول الشاعر مستدلاً على كلمة (صيّب) (5):

          حتى عَفاها صيّب ودقه … داني النواحي مسبل هاطل

وفي قوله تعالى:  }اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي{ [ طه:31]، يستدل القرطبي بقول الشاعر(6):

         شددت به أزري وأيقنت أنه … أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبه

  واستمرّت شواهد الشعر تجري في ما أُلِّف حول القرآن الكريم في القرون التالية في كتب معاني القرآن ومجازه وبيانه وإعرابه وتفسيره، وكثر استخراج العلمـاء لهذه الشواهد من ديوان العرب وتضخّم عددها، حتّى كان أبو بكر محمّـد بن القاسم ابن الاَنبـاريّ (328 هـ) يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد على ألفاظ القرآن.                                           
 

لا بد أن أشير إلى أن الاستدلال والاستشهاد بالشعر لم يكن بشكل اعتباطي وعشوائي، فلقد وضع اللغويين والنحاة معايير وضوابط فيما نقلوه عن العرب ـ كما يراه د. محمد بن سعيد الثبيتي الأستاذ المساعد بمعهد اللغة العربية بجامعة أم القرى ـ:

1- شرط المكان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد مواطن الفصاحة في وسط الجزيرة العربية، دون بقية أطرافها، التي كانت على صلة بالأمم الأخرى، وفي بواديها دون الحواضر التي كانت تعجّ بحركة الوافدين عليها، من خارج الجزيرة أو من أطرافها، بقصد التجارة ونحوها .

2- شرط الزمان: وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد عصور الفصاحة عند منتصف القرن الثاني الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الأدبية في المدن، ونهاية القرن الرابع الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة المنقولة عن الأعراب.

3- شرط الفصاحة وهو الشرط الذي تم بمقتضاه الحكم على فصاحة اللفظ إذا ثبتت نسبته إلى عربيّ قحّ سواء بالمشافهة أو الرواية الصحيحة وذلك العربي القحّ هو من انطبق عليه شرط الزمان والمكان السابقين .

وعلى ضوء هذه المعايير عُدّ كلّ ما خالف ذلك مولداً، فَقُسِّم الشعراء إلى طبقات، والقبائل إلى درجات، أعلاها قبيلة قريش، يقول ابن فارس: " أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم: أنّ قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة …وكانت قريش – مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها-إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم فصاروا بذلك أفصح العرب…ألا ترى أنّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفيّة قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة…" (7).

ويقول الفارابي : " كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عمّا في النفس" (8). 

و يقول وهو يرتب درجة الفصاحة : "والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اُقْتُدِيَ وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربي من بين قبائل العرب هم : قيس وتميم  وأسد ، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثمّ هذيل وبعض كنانة وبعض الطّائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنّه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم، فإنّه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام، فإنهم كانوا مجاورين أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، ولا من غسان، ولا من إياد، فإنهم كانوا مجاورين أهلَ الشام، وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية، ولا من تغلب ولا النمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من أهل اليمن أصلاً؛ لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكــان الطائف؛  لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم …" (9).

وكذا عد ابن رشيق في " العمدة " طبقات الشعراء أربعاً، قال: هم جاهلي قديم، ومخضرم، وإسلامي، ومحدث. قال: ثم صار المحدثون طبقات أولى وثانية على التدرج هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا. وجعل الطبقات بعضهم ستاً، وقال: الرابعة المولدون، وهم من بعد المتقدمين كمن ذكر، والخامسة المحدثون، وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتري، والسادسة المتأخرون، وهم من بعدهم كأبي الطيب المتنبي، والجيد هو الأول، إذ ما بعد المتقدمين لا يجوز الاستدلال بكلامهم، فهم طبقة واحدة، ولا فائدة في تقسيمهم(10).

وكلما تباعد الناس عن عصر نزول القرآن برزت الحاجة إلى معرفة غريب القرآن ، فكان الشعر مِنْ أهمِّ الوسائل لفهم هذا الغريب، والإجابة عن استفسارات الناس المتجددة، وبذلك مدَّ الشعرُ العربي حركةَ التفسير القرآنية التي بدت تنمو وتزدهر مع مرور الأيام ، كما مدَّ هذا الشعرُ معاجمَ اللغة وكتب النحو والصرف والبلاغة بشواهد غزيرة تساهم في تأصيل علومها. وقد كان للعلماء الثقات في هذه الخطوات دورٌ كبير في سَدِّ أبواب الانتحال والوضع؛ ليكون الاستشهاد مبنيًّا على أسس صحيحة، وكلما ابتعد الناس عن موارد الفصاحة وتقدَّمت بهم الأيام، صَعُبَ عليهم فَهْمُ الشعر والتعامل معه لكثرة غريبه المبثوث فيه، فاستلزم الأمر شرحه، ولا سيما الجاهلي الذي يكثر فيه الغريب.

ويجد الباحث في المكتبة العربية الكثير من هذه الشروح التي يتخللها الاستشهاد بآيات القرآن الكريم، ومن ذلك كتب الأمالي والنوادر، ومن هنا صار فن الشعر فنًا قائمًا برأسه، وفرعًا من فروع المعرفة اللغوية والبيانية التي تخدم القرآن. وليس غريبًا أن يحتلَّ الشعر مكانة عالية في مجال البحوث القرآنية المتعددة التي تُعنى بالتأصيل، وبذلك خالف الشعر العربي آداب اللغات الحية التي لا نكاد نجد فيها مثل هذا التواصل اللغوي عبر هذه القرون المتطاولة، ولكن بفضل القرآن بقي الشعر العربي حيًّا طوال فترة سالفة.

                                                                     أيمن حاج أسد

————————–

1  انظر:الكشاف، الزمخشري 2 / 411.

2 انظر: صبح الأعشى، القلقشندي، 1/33.

3 انظر: مختصر تاريخ دمشق،ابن منظور،4/241.

4 انظر:الإتقان لعلوم القرآن، للسيوطيّ 2/67.

5 انظر:البحر المحيط، أبو حيان، 1/94.

6 انظر: تفسير القرطبي، 11/193.

7 انظر:الصاحبي في فقه اللغة، أحمد بن فارس،33.                           

8 انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها،السيوطي،1/211.      

9 المرجع السابق.

10 انظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه،لابن رشيق القيرواني،1/26.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اسلاميات, لغة عربية | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مكانة الشعر في تفسير القرآن الكريم”

  1. أحسنت…و لي عودة للتعليق التحليلي، لكني لم استطع القراءة من غير أن اسجل تعليق و لو ب”أحسنت”

    و دمتم سالمين

  2. جزاك الله خيرا أستاذ ايمن ،وبارك فيك وأمثالك ، ولو تفضلت بأجابت سؤالي ، وهو عن التدرج التاريخي في استشهاد المفسرين بالشعر ، هل يمكن توضيحه لي وتتبعه، وأثمن لك اهتمامك ، شاكرا لك سلفا، والسلام عليكم ورحمة الله



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر