الإسلاميون وديموقراطية تركيا

كتبهاأيمن حاج أسد ، في 3 أيار 2007 الساعة: 11:29 ص

من الواضح أن تيار الاسلام السياسي يتمتع على المستوى الاقليمي بثقل سياسي مؤثر مقارنة بالقوى السياسية الأخرى في دول المنطقة، مهما اختلفت درجات التسامح والتضييق على هذا التيار، وهو ما يستحق قدراً من التأمل والدراسة للتعامل مع هذه الظاهرة، خاصة وأنها تعبر عن تطلعات قطاعات واسعة من شعوب هذه المنطقة من العالم، كما أنها تفرض على التيار الاسلامي العديد من الاستحقاقات، خاصة في مجال تطوير أطروحاته وأساليبه في العمل السياسي، وربما يكون النموذج التركي المعتدل والذي يمثله حزب "العدالة والتنمية" نموذجاً مهماً في هذا المجال، خاصة وأنه اكتسب العديد من الخبرات العملية على مدى السنتين الأخيرتين في نطاق التعامل مع قواعد العمل السياسي، واستفاد من خبرات اسلامية أخرى.


هناك عدة فرضيات لتفسير تزايد الاقبال على الأحزاب الاسلامية في العالمين العربي والاسلامي في الظرف الراهن، والمتميّز بحدة الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعرفها هذا الاقليم الممتد من الرباط الى كابول، وأهم هذه الفرضيات حسب دراسة لعبد الله تركماني (ورقة مقدمة الى ندوة "الاسلام والديموقراطية: أسئلة العلاقة وآفاقها" التي عقدت في تونس كانون الأول 2004) هي محاولة اجتماعية ـ سياسية لتفسير تطلعات قطاعات عريضة من الرأي العام العربي والاسلامي: إذ بات من الواضح أنه يعيش "فوبيا" الهوية، أي ذلك الخوف الكبير وحتى المرضي على الهوية والانتماء، وجزء من هذا الخوف مفهوم بالنظر الى التحولات العالمية التي حملتها موجة التغيّرات العالمية التي جاءت مع العولمة معززة بالتطور الهائل في وسائل الاعلام وتكنولوجيا الاتصال، والتي أصبحت تسوق نمطاً يكاد يكون وحيداً في الثقافة والقيم وأنماط العيش والسلوك ومن هنا، يجب أن تكون تجربة وصول الاسلاميين الى الحكم في تركيا بمثابة تجربة مفيدة ومثمرة بالنسبة لبعض الدول العربية، بل يجب على قادة التيارات الاسلامية، وأيضاً التيارات القومية واليسارية والليبرالية، متابعة هذه التجربة التركية التي حدثت في بلد علماني، لكي تمنحهم دروساً وعبراً تساعدهم في عملهم السياسي المستقبلي؛ إذ أن هذه التجربة توضح أهمية طرح مقترحات واقعية وعملية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه وتداول مصطلحاته وعدم القفز فوق واقعه، وعدم التخفي وراء الشعارات الواسعة والطنانة كأسلمة المجتمع وطرح صيغة الدولة الاسلامية، والمطالبة بالرجوع الى دولة الخلافة.


وبخصوص الاسلاميين في تركيا يذهب "إدريس بووانو" في كتابه "إسلاميو تركيا… العثمانيون الجدد"، (مؤسسة الرسالة ناشرون 2005) الى أن انخراط السياسة ذات المرجعية الاسلامية داخل المعترك السياسي التركي ساهم في تحقيق الانسياب الهادئ للتيار الاسلامي ومشاركته الطبيعية في الحياة السياسية، وانطلاقاً من هدفه المشروع فله الحق أن تكون لديه وجهات نظر تجاه مجموعة من القضايا التي تعتمل داخل الساحة التركية، من ذلك وجهة نظره في مفهوم العلمانية، إذ ترى هذه التجربة السياسية سواء القديمة أو الجديدة أن هذا المفهوم الذي صاغه كمال أتاتورك ولا تزال فئة من العلمانيين تتبناه ينبغي أن يطاله قدر من التغيير، فالعلمانية ـ حسب فئة من العلمانيين ـ تعني فصل الدين عن الدولة وإخضاع الدين ومؤسساته لسلطة الدولة، بينما تحاول النخبة الاسلامية المؤطرة في التجربة السياسية أن تبتعد بالدين وتنأى به عن أن يكون تحت سيطرة الدولة وتكفل له استقلالاً معيناً، وهذا ما يحقق تحولاً في مفهوم العلمانية داخل تركيا من علمانية ديكتاتورية وقسرية يخضع فيها الدين لسلطان الدولة الى علمانية حقيقية تكفل مزاولة الدين والحريات الدينية للجميع.


وتؤكد فئة من العلمانيين أن وجود جزء كبير من التيار الاسلامي، وجهوده لتغيير مفهوم العلمانية، وتوسيع هامش الحريات الدينية قد أثرى الحقل السياسي والحياة السياسية التركية، كما مكن من جعل الديموقراطية التركية ديموقراطية ليبرالية حقاً تسمح بالتباين والاختلاف في إطار تعددي حر ونزيه.


إن تجربة الاسلاميين في تركيا فريدة ونوعية في العالم الاسلامي من نواح عدة، أهمها إيمانها منذ وقت مبكر بأهمية المدخل السياسي السلمي والديموقراطي في عملية التغيير والاصلاح، فهي مارست السياسة في البرلمان والحكومة وفق نظام ديموقراطي، وآمنت بشروطه كلها، وعملت في الهامش الضيق المسموح لها به، وبالرغم من ذلك فانتظام هذا التيار ضمن شروط اللعبة الديموقراطية أتاح له التعبير عن طروحاته علناً وبطريقة سلمية، وهكذا تكون الديموقراطية التي كانت وسيلة لاستيعاب التيار الاسلامي والتقليل من "أخطاره" و"أصوليته" هي نفسها حملت هذا التيار ممثلاً بحزب "الرفاه" في التجربة السابقة وحزب "العدالة والتنمية" في التجربة الحالية الى السلطة في تركيا الجمهورية العلمانية.


ولعل المتتبع للساحة الديموقراطية التركية يدرك تماماً أن هناك قدراً معتبراً من التطور والنجاح قد شهدتهما الساحة الديموقراطية التركية أدَّيا الى احتواء إحدى الاشكالات الكبرى بالمعنى الثقافي والسياسي داخل قيم وقواعد الديموقراطية والتعددية الحزبية، واعتقد أن جزءاً من هذا الأمر قد يحصل في ظل التجربة الديموقراطية العربية شرط أن يقوما الطرفان أو أطراف المعادلة بمراجعة حقيقية لمواقفها ولخطابها ولأدوات اشتغالها في ظل مناخ ديموقراطي صحي وسليم. ففي ظل هذا المناخ لا خوف يمكن أن يحصل من أي قوة سياسية كيفما كانت مرجعيتها وأيديولوجيتها، فالدستور الذي وفر أجواء وجودها ووجود غيرها من القوى السياسية هو نفسه قادر على أن يوفر القيود الكفيلة بمنعها ومنع غيرها إذا رأى فيها تهديداً لهذا المناخ الديموقراطي، بالأساليب والأدوات الديموقراطية ذاتها.

                                                                                               أيمن حاج أسد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اسلاميات, ديمقراطية, دين, سياسة, سياسية, كتب, مقالات سياسية, منوعات | السمات:, , , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر